اسماعيل بن محمد القونوي
266
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
حياتي أي حياتي في الدنيا والمآل واحد قدم الأول لتبادره لأنه قد عرفت أن الكلام هنا مسوق لبيان أحوالهم في الآخرة قوله أعمالا صالحة مفعول قدمت على الوجهين حذفت للتعميم مع الاختصار وجملة يَقُولُ [ الفجر : 24 ] استئناف كأنه قيل عند التذكر أي شيء يقول فأجيب بذلك وهذا يؤيد عدم كون التذكر توبة . قوله : ( وليس في هذا التمني دلالة على استقلال العبد بفعله ) رد على الكشاف حيث قال بناء على مذهبه هذا يدل على أن العبد مستقل بفعله وأنه خالق فعله والجواب أن أصحاب الحق يثبتون للعبد اختيارا جزئيا ولذا أسند إليه الفعل حقيقة وإلى الخالق مجازا وهذا البحث مبين في علم الكلام وفن الأصول . قوله : ( فإن المحجور عن الشيء قد يتمنى إن كان ممكنا منه ) المحجور عن الأعمال الصالحة يصرف قدرته إلى الطرف الآخر قد يتمنى أي ذلك الشيء المحجور إن كان ممكنا فيه وهنا كذلك قيل إن مفتوحة مصدرية وممكنا اسم مفعول من التمكين أي أقدره اللّه تعالى عليه فحينئذ يكون إن كان الخ مفعول يتمنى وكون إن شرطية وكون ممكنا اسم فاعل من الإمكان قيل إنه تصحيف يرده أن التمني لا يتوقف على الإمكان وهذا الإشكال وارد على الأول أيضا لأن العاقل لا يتمنى الاقدار على المستحيل ويمكن دفعه فلا تغفل وأنت خبير بأن صرف العبد قدرته إلى المعصية لا يقتضي أن يكون محجورا عن الطرف الآخر فلا وجه لقوله محجورا فإنه يوهم خلاف ما ذهب إليه أهل السنة بل هذا مذهب أهل الهوى كما قال الزمخشري وأنهم لم يكونوا محجورين عن الطاعات مجبرين على المعاصي قوله : وليس في هذا التمني دلالة على استقلال العبد بفعله هذا رد عن صاحب الكشاف في قوله وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقا بقصدهم وإرادتهم وأنهم لم يكونوا محجورين على الطاعات محبورين على المعاصي كمذهب أهل الأهواء والبدع وإلا فما معنى القائل التحسر أقول ليس فيما قاله صاحب الكشاف هنا ما يدل على أن العبد مستقل في فعله بل قال إن الآية أثبتت للعبد اختيارا في فعله وأن فعله ليس على سبيل القسر والالجاء وهذا عين مذهب أهل السنة في هذه المسألة نعم إنه ليس في لفظ ليت دلالة على إمكان الفعل فضلا عن أن تكون أبين لجواز تمني المحالات وأشار القاضي رحمه اللّه إلى هذا بقوله فإن المحجور عن الشيء قد يتمنى إن كان ممكنا منه ويمكن أن يقال المحال رجوعه إلى زمان كان فيه قادرا على الفعل لا نفس الفعل وأما دلالته على إمكان الفعل فمن حيث إن قوله هذا تحسر على ما فات والإنسان لا يتحسر على فوت المحال وإنما يتحسر ويتحزن على فوت فعل كان ممكنا منه قادرا عليه وهذا هو المراد من قول صاحب الكشاف وإلا فما معنى التحسر قال الإمام هذا التحسر على فعلهم الذي كان مسندا إليهم ظاهرا وتحقيقه ليت اللّه وفقني على فعل الطاعة وأقول ثبوت الاختيار للعبد ههنا مستفاد من قول الإنسان وهو قوله : يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ [ الفجر : 24 ] وقول الإنسان لا يكون حجة على الجبرية لأنهم لا يسلمونه ولو كان ذلك حجة لكان مجرد قولنا إن أفعالنا باختيارنا دليلا مثبتا للاختيار حجة عليهم في هذه المسألة والاحتجاج إنما يكون بقول اللّه تعالى والمثبت ههنا ليس هو .